ابن عجيبة

287

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

معرفة ذات اللّه ، العلماء لإصلاح الظواهر ، والأولياء لإصلاح البواطن ، ولا يقوم هذا إلا بهذا ، فالظاهر من غير باطن فسق ، والباطن من غير ظاهر إلحاد ، وسيأتي عند قوله : فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ . . . « 1 » الآية ، تمثيل منزلتهم عند اللّه . واللّه تعالى أعلم . ثم ذكر ضدهم ، فقال : [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 182 إلى 183 ] وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ( 182 ) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ( 183 ) قلت : أصل الاستدراج : الاستصعاد ، أو الاستنزال درجة بعد درجة ، ومعناه : نسوقهم إلى الهلاك شيئا فشيئا . يقول الحق جل جلاله : وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ، وألحدوا في أسمائنا ، سَنَسْتَدْرِجُهُمْ أي : ندرجهم إلى الهلاك شيئا فشيئا ، مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ما نريد بهم ، وذلك أن تتواتر النعم عليهم ، فيظنوا أنها لطف من اللّه بهم ، فيزدادوا بطرا وانهماكا في الغي ، حتى تحق عليهم كلمة العذاب . وَأُمْلِي لَهُمْ أي : وأمهلهم ، أي : وأمدهم بالأموال والبنين والعدة والعدد ، حتى نأخذهم بغتة ، إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ أي : أخذي شديد ، وإنما سماه كيدا لأن ظاهره إحسان وباطنه خذلان . الإشارة : قال الشيخ زروق رضى اللّه عنه : الاستدراج : هو كمون المحنة في عين المنة ، وهو من درج الصبى ؛ إذا أخذ في المشي شيئا بعد شئ ، ومنه : الدرج الذي يرتقى عليه إلى العلو ، كذلك المستدرج هو الذي تؤخذ منه النعمة شيئا بعد شئ وهو لا يشعر . قال تعالى : سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ . ه . فالاستدراج ليس خاصا بالكفار ، بل يكون في المؤمنين ؛ خواصهم وعوامهم . قال في الحكم : « خف من وجود إحسانه إليك ، ودوام إساءتك معه ، أن يكون ذلك استدراجا لك ؛ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ » . وقال سهل بن عبد اللّه رضى اللّه عنه : نمدهم بالنعم ، وننسيهم الشكر عليها ، فإذا ركنوا إلى النعمة وحجبوا عن المنعم : أخذوا . وقال ابن عطاء رضى اللّه عنه : كلما أحدثوا خطيئة جددنا لهم نعمة ، وأنسيناهم الاستغفار من تلك الخطيئة . وقال الشيخ ابن عباد رضى اللّه عنه : الخوف من الاستدراج بالنعم من صفة المؤمنين ، وعدم الخوف منه مع الدوام على الإساءة من صفة الكافرين . يقال : من أمارات الاستدراج : ركوب السيئة والاغترار بزمن المهلة ، وحمل تأخير العقوبة على استحقاق الوصلة ، وهذا من المكر الخفي . قال تعالى : سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ أي : لا يشعرون بذلك ،

--> ( 1 ) من الآية 122 من سورة التوبة .